مأثرة جديدة أضافها عمال ميناء حيفا الى كفاح الطبقة العاملة
- areej62
- 24 سبتمبر 2021
- 4 دقيقة قراءة
تاريخ التحديث: قبل 7 أيام
بقلم: توفيق زيّاد
نشر المقال في جريدة الاتحاد بتاريخ: 01.07.66
منذ اضراب البحارة الشهير في الخمسينات، لم تشهد البلاد اضرابا اشمل وأشد وحدة للصف، وأبعد أثرا داخل البلاد وخارجها، من اضراب عمال ميناء حيفا الذي اشترك فيه كل العمال البالغ عددهم 1600، واستمر حوالي سبعة أسابيع.
لقد وقف هذا الإضراب في مركز كفاح الطبقة العاملة اليهودية والعربية في البلاد ضد السياسة الرسمية للحكومه وقيادة الهستدروت المبائية (مبام)، سياسة البطالة، والفصل من العمل، والغلاء، والهجوم على أجور العمال وشروط عملهم.
وامتاز بوحدة الصف الرائعة، التي صانها العمال ضد كل محاولات تفسيخهم. فكانت سلاحهم الذي اضطر اعداءهم الطبقيين الى التراجع والتسليم بكثير من طلباتهم الأساسية.
وجاء في وقت كانت فيه الهستيريا العسكرية تنتشر، والتوتر يشتد على الحدود، وخطر حرب حقيقية مسلط فوق الرؤوس. ففي مثل هذا الجو المشحون، أثبت عمال الميناء، على رأس عمال عشرات من المصانع والمشاغل، أنه من الصعب الهاء العمال الجائعين بما هو "أهم من الجوع"، وأنه بإمكان الطبقة العاملة لا أن تدافع عن حقوقها المكتسبة فحسب، وانما بإمكانها أيضا النضال لإحراز مكاسب جديدة.
(1)
خسارة العمال بسبب الإضراب بلغت مليون ليرة وأما خسارة الدولة فتجاوزت الثلاثين مليونا. وهنالك من يقول ان هذا الرقم شديد التواضع. وكان بإمكان هذه الخسارة تلبية مطالب العمال المضربين، لعشرات السنين المقبلة. فلماذا أبدت الحكومة وقيادة "الهستدروت"، أشد التعنت في رفض مطالب العمال؟؟
ان أساس السياسة الاقتصادية للحكومة هو العمل على تخفيض نفقات الإنتاج عن طريق تخفيض أجور العمال وشروط عملهم وزيادة ارهاقهم. وقيادة "الهستدروت" هي الذراع الأيمن للحكومة، لتنفيذ هذه السياسة بين العمال. وهذه السنة، التي هي سنة تجديد اتفاقيات العمل للسنتين القادمتين، قررت "الهستدروت" سياسة الأجور التالية: زيادة الأجور في حدود 10 بالمائة لهذه السنة و 5 بالمائة للسنة القادمة في المصانع والمشاغل "القادرة" .. وهذا التحديد ... "القادره" يعطي أصحاب العمل سلاحا "مشروعا" لرفض حتى هذه الزيادة الضئيلة. وهذه الزياده الضئيلة هي شكلية لأنها استنفذت فعلا منذ أمد طويل.
والوضع الفعلي للعمال هو انخفاض أجورهم الحقيقية، بسبب الارتفاع الشديد في الأسعار، وانخفاض أجورهم الأسمية، بسبب استغلال أصحاب العمل للبطالة المتفشية.
ولذلك فموقف "الهستدروت" المتعنت ضد الإضراب، وطلبات العمال، كان موقفا "مبدئيا" لأن التسليم بها كان سيوجه ضربة قاصمة لهذه السياسة. وإذا كانت قيادة "الهستدروت" والحكومة في نهاية الأمر، قد تراجعتا، فان ذلك كان بفضل الصمود الرائع الذي أبداه المضربون.
(2)
عندما بدأت المفاوضات بين العمال وشركة "خدمات الموانيء الموحدة" الي تمتلكها الحكومة و"الهستدروت"، كانت طلبات العمال الأساسية: رفع الأجور – دفع الشهر الثالث عشر- تخفيض سنوات الخدمة التي يتحول بعدها العامل الى عامل شهري من 13 الى 8 سنوات – تدريج كل العمال ورفع درجاتهم درجة واحدة – تحسين علاوة الأقدمية وزيادتها من 3 ليرات الى 10.5 للسنة الواحدة- مساواة الأجر الأولي، الذي يبدأ به العامل عمله، بالأجر الأولي في ميناء أسدود.
ورفضت الشركة. وأعلنت الحكومة و"الهستدروت" أن تلبية هذه المطالب يعتبر "سابقة خطرة" تفتح عليها الف باب وباب.
ومن الناحية الأخرى.. علقت الطبقة العاملة في البلاد، لنفس السبب، أكبر الأهمية على هذا الإضراب. فكل نجاح يحرزه عمال الميناء، سيكون ذا فائدة مباشرة لها.
وعشرات لجان العمل رفضت التوقيع على اتفاقيات عمل جديدة، الا بعد معرفة مصير الإضراب للاستفادة من نجاحه.
ولذلك فقد تميزت المعركة بتقطب معين.. بانقسام القوى الطبقية، انقساما واضحا الى معسكرين يقفان وجها لوجه. الطبقة العاملة والقوى السياسية التقدمية الى جانب العمال، والحكومة وقيادة "الهستدروت" والصحافة الرجعية الى جانب الشركة. وكانت المعركة عامة وشاملة.
(3)
وأعلن العمال اضراب التباطؤ بعد أشهر من المفاوضات الفاشلة. وهبطت طاقة الميناء حالا الى 40-45 بالمائة. وهذا أخذ يترك أثره على مختلف فروع الاقتصاد في الدولة.
وبدأت ضد العمال حرب عنيفة. وعينت قيادة الحكومة و"الهستدروت" موقفها: على العمال أن ينهوا اضرابهم أولا ثم تؤلف لجنة خاصة لفحص طلباتهم ورفض العمال.
وبدأت ضدهم حملة تحريض وتشويه، فقيل أن أجر الواحد منهم يصل حتى 1500 ليرة شهريا .. والحقيقة أنه تراوح بين 500 – 700 ليرة. وقيل انهم يضرون بالاقتصاد القومي ويسببون بطالة الكثير من العمال في مختلف فروع الإنتاج !!
واعتقدت قيادة "الهستدروت" انها، كالعادة، تستطيع بالضغط خنق الإضراب في مهده.
وفشلت كل التدخلات الحكومية والهستدروتية لإنهاء الإضراب. وتدخل وزير العمل ألون وفشل ثم تدخل أبا حوشي .. وتوهم المسؤولون انه بإمكان "الساحر الحيفاوي" ان يضع حدا للإضراب ولكن العمال رفضوا مقترحاته.
(4)
وأفلست الحكومة وأخذت تطلق التهديد وراء التهديد. أعلنت أنها ستحول السفن الى ميناء أسدود وستعيد فتح ميناء تل ابيب وستحضر عمالا جددا للعمل بدل المضربين.. ولكن لهذه التهديديات لم تكن أية قيمة فعلية.
وجاء قرار الحكومة بإقفال الميناء اذا لم ينته الإضراب. وهذا القرار العصبي يدل على عدم مسؤولية، وعلى مدى العداء الذي تكنه السلطات لحقوق العمال.
وبقرار إقفال الميناء اذا لم يرجع العمال تجددت المفاوضات.. ومع ان هذا القرار كان يعبر عن "الموقف الرسمي" الا ان "الموقف الفعلي" كان يختلف. لقد كان الموقف الفعلي الذي اتخذته الهيئات الحكومية والهستدروتية التراجع عن موقفها السابق والتسليم ببعض المطالب الأساسية للعمال (زيادة الأجور 10 بالمائه لهذه السنة و 5 بالمائة للسنة القادمة، تحسين التدريج وعلاوة الأقدمية ورفع الأجر الأولي وغير ذلك) وتأليف لجنة خماسية للبحث في القسم المتبقي من طلبات العمال.
وقد أعلن العمال في اجتماعاتهم التي قرروا فيها العودة الى عملهم كالمعتاد، اصرارهم على طلباتهم المتبقية واستعدادهم لتجديد المعركة في حالة عدم تلبيتها.
(5)
صحيح أن ما حققه العمال كان كسبا جزئيا ولكنه كان على درجة كبيرة من الأهمية لأنهم حققوه في وضع الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تفرضها الحكومة على الكادحين.. وحققوه في معركة صامده ضد كل أعدائهم الطبقيين المسعورين وارهابهم وتهديدهم.
ولكن معركة عمال الميناء لم تنته بانتهاء الإضراب.. لان سياسة الحكومة الاقتصادية لن تثمر سوى تشديد الكفاح الطبقي وتنوع أشكاله. وعمال الميناء الذين تقوت معنوياتهم وصقلوا في المعركة سيدخلون معاركهم المقبلة بعزيمة أشد وثقة أكبر بالنفس.. واضرابهم هذا كان له أثره الكبير في تثقيف العمال الآخرين على روح الكفاح في سبيل حقوقهم، وأخذ قضاياهم بأيديهم هم أمام موقف الخيانة الطبقية الذي تقفه قيادة "الهستدروت" المبائية (مبام).

تعليقات