حرب الخليج.......(2)
- areej62
- 24 سبتمبر 2021
- 4 دقيقة قراءة
تاريخ التحديث: قبل 7 أيام
الجمعة 15 شباط 1991
4- حول طبيعة النظام العراقي ورئيسه صدام حسين
القضية الحقيقية ليست في طبيعة النظام العراقي، ولا في شخصية رئيسه، ولا في خرق العراق للشرعية الدوليّة. سلبيات النظام العراقي ورئيسه هي قضية، ولكنها ليست القضية في هذا الوقت. ان الاعتماد عليها والمبالغة فيها الى حد القرف، ليست الا حجة لتبرير الحرب، ومحاولة الباسها صفة ديمقراطية وعادلة، وليس الا شبكة لاصطياد السمك التائه. ان نظام صدام حسين، كائنا ما كان، لا يمكن أن يبرر أو أن يغير شيئا من طبيعة هذه الحرب العدوانية الاستعمارية وأهدافها الحقيقية.
ان النظام العراقي هو شأن الشعب العراقي لا شأن الولايات المتحدة. وحتى لو افترضنا جدلا انه كله سلبيات، فأية صفاقة هي ان تمنح الولايات المتحدة نفسها "حق" القضاء عليه حتى بثمن تدمير العراق وتقتيل أبنائه.
نحن لم نكن في يوم من الأيام من أنصار هذا النظام العراقي وممارساته وخطاياه، وهذا يجب أن يكون واضحا. ولكننا نرفض عرض الأمر وكأن طبيعته هي التي تقرر موقفنا. ان ما يقرر موقفنا يبقى الطبيعة العدوانيّة للحرب وأهدافها.
صحيح ان احتلال العراق للكويت خلق مشكلة في العالم العربي يجب العمل على حلها عربيا. ولكن، لغاية في نفس يعقوب، سرعان ما حولوها الى مشكلة عالميّة، مع أنها يجب ان لا تكون كذلك. ومع ذلك فان هذا الاحتلال لم يهدد بحرب مدمّرة، اذ أنه لا يملك المقومات لذلك. الجحافل الأمريكية الغازية وآليتها العسكريّة الخيالية، هي التي فجّرت الحرب والدمار. والى أولئك الذين يعترضون على النظام العراقي ويطمحون الى التخلص منه، نقول ان التخلص منه، مستقبلا، يبقى أسهل ألف مرة من التخلص من الاحتلال والهيمنة الأمريكيّة. لذلك رأينا أن الجواب على احتلال العراق للكويت ليست هذه الحرب وانما المساعي السلمية في إطار الدول العربيّة، ولا بأس من مساعدة دول صديقة وحياديّة في ذلك. فاذا حُلت المشكلة كان به والّا فعمرها ما حُلت.. إذا كان البديل هو هذه الحرب المدمرة. وفي تلك الحالة يمكن اضافتها الى لائحة القضايا الشرق أوسطية والعالمية غير المحلولة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية التي خلقوها هم، وهم الذين يمنعون حلها. انهم هم، لا غيرهم، الذين يرفضون الاقتراح المتكرر بعقد مؤتمر سلام في المنطقة لحل جميع قضاياها.
ان حماة الحرب والمعايير المزدوجة يصلون الى قمة العنصرية والاستعلاء الأبيض. أحدهم يوسف لبيد، مدير عام سابق لسلطة البث الإسرائيلية، كتب في "معريف"(01.02.1991) مقالا منحطا فعلا. بدأ بمساواة الرئيس العراقي صدام حسين بالمجرم النازي أدولف آيخمان، ثم تجاوز ذلك الى مهاجمة "الطبيعة الشريرة والمتخلفة" لكل الشعوب العربية والإسلامية والعالم الثالث. هذا المثقف "الحضاري" كتب يقول: "قضيتنا مع صدام حسين هي في أنه بالمرة ليس مجنونا، بل أنه التجسيد السوقي للشرير الشرق – أوسطي". وكتب:"صدام حسين هو نتاج حضارة وثقافة متعطشة للدم تسخر من الأخلاقية الغربية، وليس صدفه أنه خلال مئات السنين لم يسهم هذا التزاوج العربي – الإسلامي أي اسهام، في الحضارة الإنسانية". وكتب: "صدام حسين، لم يجدد في هذا شيئا. ولذلك فلن تكون هنالك أية فائدة من القضاء عليه، لأننا محاطون بملاين الصداميين حسين".
ان هذا الكلام العنصري الذي يقف له شعر الرأس هو دعوة صريحة الى إبادة شعوب الشرق الأوسط "الشريرة" مع تراثها الحضاري الذي يرفض الأخلاقية الغربية الإسرائيلية، أخلاقية الاحتلال والنهب. ومن الناحية الثانية هذا اعتراف بأن الشعوب العربية كلها، تدعم العراق في وقفته، وترى في الحرب الدائرة حربا مباشرة ضد الأمّة العربية. هذا على الرغم من موقف عدد من الرؤساء العرب والإساءة الى الدين الإسلامي باستغلاله من بوش حتى علماء ومفتين مسلمين عرب، لتبرير هذه الحملة الأطلسيّة.
ان التركيز على خطايا النظام العراقي، وعلى المساواة بين الطرفين في هذه الحرب التي تأكل الأخضر واليابس، وفي هذه اللحظة بالذات والعراق في مواجهة الشيطان الاستعماري الأكبر، ليس مجرد التواء عابر وانما افتقار الى البوصلة الصحيحة.
ولا بأس من الحكاية التالية من تراثنا الأدبي يرويها "ابن عبد ربه" في كتاب "العقد الفريد" عن المعلم الكبير "دريد بن الصمة" الذي كان يعنف تلاميذه بشدّة عندما يلحنون (يخطئون) في قراءة القرآن، الا واحدا، كان دريد يمتنع عن تعنيفه. وعندما سأله أصحابه عن السبب اجابهم قائلا: "أن في وجهه غفران ذنوبه".
ولا أورد هذه الحكاية لمعناها الحرفي بل لتوضيح القصد، نحن لم نغفر للنظام العراقي ورئيسه خطاياه من القمع الدكتاتوري الداخلي الى حربه مع إيران الى قمعه أكراد العراق على طريقة "حلبجة" ولكننا، في هذه الحرب، نتحرق رغبة في هزيمة الولايات المتحدة.
ان مطلب الساعة هو إيقاف الحرب فورا وتجديد المبادرات للحل السلمي سواء اكان ذلك في مؤتمر أم بواسطة مساعي دول صديقة، والفضل هو مؤتمر دولي لحل القضايا الأساسية وفي مقدمتها أزمة الخليج والقضيّة الفلسطينيّة.
5- مرحلة جديدة في الشرق الأوسط
حرب الخليج أتت بوضع جديد، بمرحلة جديدة في الشرق الأوسط، ولا شيء سيعود، بعدها، الى سابق عهده. المياه الراكدة طيلة سنوات طويلة لم تعد راكدة، بل تدور بسرعة مذهلة، وتحمل كل المفاجآت الممكنة. على نتيجة الحرب وعلى سيرها يتوقف شكل الخارطة السياسية المقبلة. والصراع الدائر هو على هذه الخارطة. ولأن الأمر كذلك، فهزيمة الولايات المتحدة هي ضرورة لمرحلة أفضل، وخارطة أفضل، ولتوازن قوى أفضل بالنسبة للشعوب العربية ومستقبلها، وللحلول العادلة لمشاكل المنطقة. وليس دائما أن الهزيمة يقررها الحسم العسكري النهائي، بل ان تحقيق هدف انهاء الحرب هو بحد ذاته هزيمة للعدوان وأصحابه.
وعلينا أن نلاحظ الأمرين الأساسيين التاليين:
1- اصطفاف الشعوب العربية ضد الولايات المتحدة والى جانب العراق هو اجماعي. وهو يعيد الى أذهاننا وضع الغليان العادي للاستعمار في الخمسينات، عندما كان حكام بعض الدول العربية يعملون على إقامة حلف بغداد، الصيغة الشرق أوسطية لحلف الأطلسي (ناتو)، وفرض الهيمنة الاستعمارية التامة. في حينه أدت هبّة الشعوب العربية الى اجهاض إقامة ذلك الحلف العسكري، وحتى الى اسقاط العديد من الأنظمة العميلة والى استبدالها بأنظمة وطنيّة.
وحرب الخليج اليوم أوقدت من جديد النار التي تحت الرماد، وألهبت العداء للولايات المتحدة وحلفائها والأنظمة العربية المؤيدة، ونسفت كل النظرية الساداتية في الانفتاح على الولايات المتحدة، والارتباط بعجلة سياستها. ومن هنا نستطيع أن نتفهم ما أعلنه "شوارسكوف" قائد القوات الأمريكية في الخليج (06.02.1991) انه "من الممكن أن نربح الحرب وأن نخسر السلام". سواء على نطاق عالمي (العلاقات الدولية) أو على نطاق الشرق الأوسط.
2- العراق وضع على الطاولة، أمام العالم وليس أمام شعوب المنطقة فقط، الكثير من الأمور نافضا عنها غبار التدجيل والذاكرة الضعيفة. وضع على الطاولة مسألة الطبيعة الحقيقية للولايات المتحدة ونظامها العالمي الجديد، وكشف عن الضرورة الملحة في تغيير أنظمة العار القومي العائلية البدائية، وتبذيرها للثروات القومية. ووضع على الطاولة ضرورة الحل العادل للقضية الفلسطينية، والمعايير المزدوجة. وكذلك إمكانية الصمود والتحدي أمام أضخم آلية عسكرية في التاريخ، ناسفا نظرية الاستسلام للولايات المتحدة "التي تملك 99% من أوراق الحل".
وأعتقد أن هذا بحد ذاته هو انجاز هام ومؤشر أساسي للمرحلة الجديدة في الشرق الأوسط.
(يتبع)

تعليقات