الخطاب الأول لتوفيق زياد في الكنيست - لا يمكن بناء مستقبل شعب على أنقاض شعب آخر
- areej62
- 24 سبتمبر 2021
- 4 دقيقة قراءة
تاريخ التحديث: قبل 6 أيام
(كان الخطاب الأول الذي ألقاه توفيق زياد بصفته عضواً للكنيست، حول موضوع "أنظمة الطوارئ" في المناطق المحتلة. ألقاه في يوم 28/1/1974، بعد أقل من شهر من انتخابه. وهو، كما ستلاحظون، خطاب قوي مبدئي، فيه تتجلى روح توفيق زياد ومبادئه والتزامه الجدية والتحضير العميق والمدروس للموضوع.
وقد كانت الكنيست بحثت مشروعاً قدمه وزير الأمن آنذاك، موشيه ديان، بهدف جعل أنظمة الطوارئ في المناطق المحتلة قانوناً. يجدد حالياً لمدة سنة. ثم يصبح دائماً. والموضوع الذي اختاره لذلك كان الجهاز القضائي والتشريعي للاحتلال.
الخطاب:
إن قانون تحديد سريان "أنظمة الطوارئ في المناطق المدارة من جيش الدفاع الإسرائيلي – الحكم في المخالفات، المساعدة القضائية"، الذي يقدم للتمديد سنوياً منذ العام 1967 هو جزء من الجهاز التشريعي ومن الإجراءات القضائية والإدارية التي تهدف الى بقاء نظام الاحتلال في المناطق العربية التي احتلت في حزيران 1976 والى المساعدة على تخليده. أما ما يتعلق بالناحية القضائية فيه، فليس الهدف منها إقامة سلطة القانون والحياة الطبيعية، إنما تنفيذ سياسة القمع وسلب الاهلين حقوقهم، أيضاً بصورة قضائية مزعومة.
ونحن الشيوعيين، من خلال رفضنا للاحتلال ولممارسات سلطات الاحتلال من أجل البقاء، معرقلة بذلك جهود السلام العادل وعلاقات حسن الجوار بين الشعبين، اعترضنا على مشروع القانون المقترح في الماضي ونعارضه اليوم أيضاً. ونقترح إعادته الى الحكومة.
أعضاء الكنيست المحترمين
سلطات الاحتلال الإسرائيلية وممثلو حكومة إسرائيل يتحدثون بصوت عال عن القانون والنظام والقضاء في المناطق المحتلة. ولكن كل جهاز القضاء العسكري وكل التشريعات المرتبطة بالمناطق المحتلة لها هدف واحد هو تثبيت نظام القمع وسلب الشعب العربي الفلسطيني في المناطق المحتلة حقه في الحياة الحرة في وطنه وحقه في بناء وطنه حسب إرادته.
في الأيام التي تلت حرب أكتوبر سمعنا الناطقين بلسان الحكومة يتحدثون كثيراً عن ميثاق جنيف (كانوا يطالبون العرب بالتعامل في قضايا الأسرى حسب هذا الميثاق). ونحن نؤيد احترام ميثاق جنيف، ولكن من الطرفين. والسؤال هو كيف تصرفت حكومة إسرائيل في المناطق المحتلة وكيف طبقت ميثاق جنيف في البند المتعلق بالدفاع عن المواطنين في أيام الحرب، وهو الذي أقر في 12 آب 1949 في جنيف.
ففي بداية الاحتلال (الإسرائيلي للمناطق العربية عام 1967) صدر منشور يحمل الرقم (3) وتضمن تعليمات بخصوص الأمن. البند 35 من هذا المنشور تضمن الفقرة التالية: "المحكمة العسكرية وإدارة المحكمة العسكرية تنفذان بنود ميثاق جنيف الصادرة في يوم 12 آب 1949 بخصوص الدفاع عن المدنيين في أيام الحرب في كل ما يتعلق بالإجراءات القضائية. وفي الحالات التي يتناقض فيها هذا الأمر مع الميثاق، تعطى الأفضلية لتعليمات الميثاق". ولكن في مرحلة لاحقة، وفي المنشور رقم 144 لقيادة قوات الجيش في منطقة الضفة الغربية، الذي نشر في 29 كانون الأول 1976، الغي البند المذكور أعلاه تماماً. منذ ذلك الحين لا تقبل المحاكم العسكرية أية ادعاءات حول الدفاع عن المدنيين، إذا كانت تعتمد على ميثاق جنيف.
يقول البند 31 من ميثاق جنيف: "يحظر استعمال أي ضغط نفسي أو جسدي ضد المواطنين المحميين، خصوصاً بهدف أخذ معلومات منهم أو من طرف ثالث". ولكن السجون والمعتقلات تمتلئ بالقصص اللامحدودة عن التعذيب. وفي بعض الحالات جرى التعذيب حتى الموت. وراح العديد من السجناء والمعتقلين ضحية للتشوه الجسدي او النفسي جراء ذلك التعذيب. وآخرها حادثة موت فريد طشطوش، الطالب الجامعي ابن نابلس، في المعتقل في شهر تموز الماضي. وإثم سلطات الاحتلال هنا شديد.
يقول البند 50 من ميثاق جنيف: "يحظر فرض عقوبات اجتماعية بالمال أو بأية صورة أخرى على المواطنين بسبب أفعال فردية، والتي يجب الا توضع مسؤوليتها على المواطنين بشكل جماعي". ولكن العقوبات الجماعية كانت كل الوقت جزءاً لا يتجزأ من الحياة اليومية في المناطق المحتلة. وقائمة هذه العقوبات طويلة، بطول ليل الاحتلال.
ويقول البند 53 من الميثاق: "يحظر على الدولة المحتلة أن تصادر أملاكاً أو أرضاً أو إبادة أملاك منقولة تابعة لفرد أو للمجموع أو للدولة". ولكن سلطات الاحتلال تجاهلت هذا البند أيضاً وأصدرت أوامر مصادرة الأراضي أو إغلاقها في وجه أصحابها، إن كان في قطاع غزة أو مشارف رفح أو في منطقة اللطرون أو في الخليل وبيت لحم ومنطقة نابلس وغور الأردن. وكل هذه المصادرة استهدفت إعطاء الأرض للاستيطان وفرض الأمر الواقع.
وعلى النقيض من هذا البند أيضاً جرى هدم ألوف البيوت في قطاع غزة والضفة الغربية وهضبة الجولان. وهناك من يقدر عدد هذه البيوت المهدومة بأكثر من 17 ألفاً.
ويقول البند 49 من الميثاق: "يحظر النقل بالقوة للسكان المحميين، للأفراد أو الجموع أو طردهم, مهما تكن الدوافع لذلك". وعلى النقيض من هذا البند جرى طرد المواطنين الآمنين بغية تحقيق الهدف المقدس لسلطات الاحتلال: "الحد الأقصى من الأرض مع الحد الأدنى من السكان". وحيث أن مئات ألوف الناس طردوا من المناطق المحتلة خلال سنوات الاحتلال، فقد تحول قسم كبير منهم الى لاجئين للمرة الثانية في حياتهم. إن هذا الطرد يستعمل كوسيلة إرهابية ضد القادة الوطنيين والشعبيين. فقد طرد قادة سياسيون ورجال جمهور وطلاب جامعيون ومثقفون وقادة عماليون. ألوف المعتقلين والمحكومين طردوا من وطنهم مع انتهاء مدة الاعتقال، عن طريق الصحراء، في ظل الأخطار على حياتهم. والمثل الصارخ على ذلك هو في طرد القادة الوطنيين الثمانية في 10 تشرين الأول 1973. إن عملية الطرد هذه كانت حلقة في سلسلة طويلة من أعمال الطرد. وقد أثارت موجة من الاحتجاج الواسع ضد الاحتلال، شملت كل المدن والقرى في المناطق المحتلة.
إن الحقيقة الثابتة يوماً بعد يوم، والتي تتمثل بالأساس في تصاعد النضالات الجماهيرية مؤخراً، في أن الشعب العربي الفلسطيني بأكمله، بمؤسساته وقواه الوطنية والشعبية جمعاء، موحد تحت قيادة الجبهة الوطنية الدمقراطية التي وضعت لنفسها هدف التحرر من نير الاحتلال.
أعضاء الكنيست المحترمين
إن اتفاق فصل القوات بين مصر وإسرائيل، الذي بوشر في تنفيذه، أثار شعوراً من الارتياح بعض الشيء لدى المواطنين. والنشر عن احتمال فصل قوات مشابه بين سوريا وإسرائيل والأردن وإسرائيل تثير هي أيضاً ردود فعل إيجابية في أوساط الشعب في إسرائيل، هذا الشعب الذي يرى في التطورات الأخيرة أمراً إيجابياً وبداية الطريق نحو الحل العادل، السلام الثابت والمقيم. إن مظاهر الفرح التي تشع من وجوه الجنود العائدين من خطوط النار والعداء، لتعبر عن الرغبة الحقيقية لدى شعب إسرائيل على عكس أحلام المحتلين التوسعية.
إن سياسة الحكومة في المناطق المحتلة وكل جهاز القوانين التي تستهدف تخليد الاحتلال وكل ممارسات سلطات الاحتلال... تتناقض مع الروح الجديدة المنبعثة في المنطقة. واستمرار سياسة الحكومة القديمة، منذ سنة 1967 في المناطق المحتلة تضرّ وتخرب في الجهود الجديدة المبذولة باتجاه السلام العادل والثابت.
لقد آن الأوان لأن تفهموا أن الشعب العربي الفلسطيني هو صاحب الأرض المحتلة الشرعي الوحيد. هو أقرب الجيران للشعب الإسرائيلي، والتفاهم معه هو مصلحة وطنية للشعب الإسرائيلي نفسه. ومن الممكن الوصول الى تفاهم واتفاق معه فقط عن طريق إعادة حقوقه الشرعية له، وفي مقدمتها حقه في التخلص من الاحتلال وتقرير المصير وإعطاء الحقوق للاجئين حسب قرارات الأمم المتحدة. لا يمكن بناء مستقبل شعب على أنقاض شعب آخر.
لهذا، فإننا نعارض مشروع القانون ونقترح إعادته الى الحكومة.

تعليقات