سَرحان والماسوره
- shadi Sleem
- 23 سبتمبر 2021
- 3 دقيقة قراءة
تاريخ التحديث: 24 سبتمبر 2021
(هو سرحان العلي من عرب الصّقر الذي نسف ماسورة البترول في ثورة 1936 .)
1 – في الطريق
سرحان
يَقِظاً مثلَ حِمار الوحشِ كان
وككلبِ الصّيد ملفوفاً خفيف
وشُجاعاً مثل مَوج البحرِ كان
ومُخيفاً مثل النمرُ مُخيف !
مَطَر
كانت الدنيا مَطَر
وصفير الرّيح في الأذُنينِ
وَحشٌ وَجَأَر
وعلى الوجهِ يصيرُ البردُ
شوكاً وإبر
*
كانت الدنيا مطر
وظلامُ الّليل كالفحمةِ
لا نجمٌ يُضوّي
أو قَمَر
إنّما سرحانُ كالقطِّ
يرى الإبرةَ
في الّليل الكثيف
إنّهُ يعرفُ هذي الأرضَ
كالكفِّ
كما يعرفها
كلبُ الأثر
*
كانت الدّنيا مَطَر
الماسورة
كان يمشي نحوَ " تلِّ الحارِثِيَّة "
حيثُ ماسورة بترولٍ شقيّة
تحملُ الخيرَ الذي يَدفقُ
من أرض الشعوب العربية
لبلادٍ أجنبيّة
*
كان يمشي نحو " تلّ الحارثية "
وبجيبيه ديناميتٌ .. ونارٌ .. وفتيل
وعلى كتفه .. كانت بُندُقيّة
منديلُ الحرير
كانَ يمشي نحوَ " تلّ الحارثيّة "
كُتلةً صامتةً كان يسير
وبعَينَيهِ بروقٌ وسكاكين
وشرٌّ مُستطير
كتلة تَنحَتُ نحتاً
دربَها بينَ الصّخور
شَرِهاً كالذئب للصّيد الكبير
*
إيه يا سرحان ! أسرع !!
إنّ للّيل عيوناً
رُبّما تقرأُ أعماقَ الضّمير
وترى ما في الصّدور
إيهِ يا سرحان ! أسرع !!
ولتَكن رِجلُكَ فوقَ الدّربِ
منديلُ حرير ..
لمَ لا يُخلَقُ للإنسانِ أحياناً
جناحٌ .. كي يطير ؟؟!!
2 – قبلَ ذلك
عندما لم يفهم سرحان
عندما قالوا لَهُ:
سَرحان .. يا سرحان ..
هل تقدرَ أن تفعلَ شيئاً للوطن ..؟
هزَّ كتفَيهِ:
أنا ..؟؟ يا ناس خلّوني بعيداً
عن حكايات الوطن !
*
عندما قالوا لَهُ:
سرحان .. يا سرحان ..
هيّا للجبال !
هزَّ كتفَيهِ:
أنا ..؟؟
من أين إن جعتُ
ستأتي لقمة الخبزِ الحلال ؟؟!
*
عندما قالوا لهُ:
سرحان .. يا ابن الكلبِ ..
أنظر شعبكَ العبدَ الطعين
هَزَّ كتفَيهِ:
أنا .. ؟؟
ما دامَ جِلدي سالماً
ما لي وما للآخرين ؟!!
*
لعنةُ اللهِ على شكلكَ
يا كتلة طين .. !!
وعندما فَهِم
لعنةُ اللهِ عليهِ .. ما فَهم
إنّما لمّا رأت يوماً
نجومَ الظُّهر عيناهُ، فهِم
مرّةً في الطّوقِ مشُّوه
على ألواحِ صبّارٍ
برجلٍ حافية
وهوى العسكرُ بالسّوطِ
على ظهرِهِ .. ناراً حامية
كسروا السكّةَ والعودَ
وساقوا الماشية
وبأعقاب البنادق
حطّموا السدّة، والباب
وكلّ الآنية
نسفوا البيتَ وصاحوا:
أنتَ ! يا ابنَ الزّانية !!
*
ساعة الميلاد
جاءت .. هكذا في ثانية !!
*
عندها سرحان لم يأبه
لنيران الألم
إنّما صرَّ على أسنانِهِ
في فَمِهِ المملوء دَم
إن سرحانَ .. أخا البنت ..
فهم !!
آه .. كم يصبح سرحان مُخيفاً
إن فَهِم !!
في الجبال
عاشَ سرحان العليّ
مُطارداً عاماً ونصفاً
ما درى حيٌّ مقرّه
فتشوا عنه مراراً
كلّ جحرٍ .. كلّ حُفره
وضعوا ألف جنيهٍ
للذي يقتلهُ، أو
يكشف سِرّه
*
ألف مَرّه
بينهُ كان وبين الموت .. شَعرَه
ألف مرّه
كان في كلّ مكان
واسمُهُ عاش على كل لسان
إنّما .. عاماً ونصفاً
ما درى حيٌّ .. مقرّه
آه لو يتفجَّر
ذات يوم راح سرحان يفكّر:
إنّ أُنبوباً على بُعد كذا
يدفق فيه النّفطُ قُرب الحارثيّة
يحمل الخير الذي ينبع
من أرض الشعوب العربيّة
لبلادٍ أجنبيّة
آه .. يا سرحان .. لو .. لو .. يتفجَّر !
إنّ أسنانك لا تكفي
ولا يكفي رصاص البندقيّة
فتدبّر !
لعنة الله عليك – الأمر
فكِّر وتدبّر !!
3 – اللحظات الأخيره
إنتظري
آه يا ماسورة البترول
يا بنتَ الحرام
انتظري
إن سرحان الشقيّ ابن الشقيّه
قادم رغم انصباب المطر
وبعينيهِ بروقٌ شتويّة
كتلةً صامتةً
وحشاً شديد الخطرِ
ملء جيبيهِ
ديناميتٌ .. ونار .. وفتيل
أنتِ ! يا بنتَ الحرام .. انتظري
هذه لحظتك السوداء جاءت
هكذا كالقدر
كلُّها بضع ثوانٍ
قبل أن تنفجري
آهِ ..
يا بنت الحرامِ
انتظري !!
والبقيّة
لم يعد سرحان من ليلته تلك
ولكن في الصّباح
نشرت بعض الجرائد:
نسف ماسورة بترول " بتل الحارثية "
فجّر الأنبوبَ ارهابي مطارد
وجد البوليس بعد البحث،
رجلاً بشريّة .. وبقايا بُندقيّة .. وهويّة
اسمهُ الكامل: سرحان العلي من عرب الصقر،
ولكن .. بعدُ لم تُعرف تفاصيلُ القضيّة
والبقية ؟
في غدٍ .. نأتي إليكُم بالبقيّة !
4 – أمّهُ تَرثيه
شيّعوا لبني عمومتِهِ يجيئوا
بالطبولِ وبالزّمور
خبّروهم أنّهُ قد عاد من غزواتِهِ
صقر الصقور
وزعّوا الحلوى وأكياس الملبّسِ
للصّغير وللكبير
بالهنا كل الهنا ... يا هنيّه
وانكوت عيني أنا ... يا صبيّه
*
شيّعوا لبني عمومتِهِ يجيئوا
مثلَ اسراب النسور
خبّروهم أنّهُ لمّا أتاني
عينه جمرٌ وشرٌّ مستطير:
" ناوليني قرشنا الأبيض يا أمّاه
فالأمرُ خطير "
بعتُ إسوِرَةَ الزّفافِ
وبعتُ خاتمي الأخير
بالهنا كلّ الهنا ... يا هنيّه
لا تخلّوهُ بلا ... بندقيّه
يا صبايا الحيّ هيّئن الذبائحَ
والمواقدَ والقُدور
والثياب انقعنها بالعطرِ نقعاً
والمناديل الحرير
إنّ سرحان بن الأميرِ
بن الأميرِ ... بن الأمير
عاد من غاراتِهِ يرتاح
في حضني الوثير
يا صبايا حيّنا ... يا حرائر
جاءنا الكيف ... فخذنَ المزاهر
*
شيّعوا لبني عمومته يجيئوا
بالطبولِ وبالزمور
خبّروهم إنّهُ إن جاء ثانيةً
أبِع .. ثوبي .. الأخير
*
*
بالهنا يا أُمّهُ
زفّي إلى أحضانِهِ .. أحلى صبيّة
بالهنا يا أمّهُ
بيعي ثيابك .. واشتري لهُ
بندقيّة !
آذار 1967

تعليقات